من أسرار القرآن الكريم - الشيخ محمد المختار المهدي

برنامج من أسرار القرآن الكريم - الحلقة 6 

د. محمد المختار المهدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمقتضى الإيمان بالله عز وجل ومقتضى الشهادة التي دخلنا بها في هذا الدين وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله أن نستسلم لأمر الله (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (22) لقمان) لأن الحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرّمه الله عز وجل وبناء على ذلك يستشعر المؤمن معنى العبودية لله، تلك العبودية التي أثنى رب العزة سبحانه على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فجعله عبده دون أن يذكر اسمه، كل الأنبياء والرسل حين ناداهم رب العزة جاء الوصف بالعبودية مقروناً باسم كل منهم (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) ص) (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (45) ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ (41) ص) إذن بعد كلمة (عبدنا) يأتي اسم النبي لكن حينما يحدث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ينسبه إلى نفسه دون أن يذكر اسمه فيقول سبحانه (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (1) الإسراء) لم يقل "بعبده محمد" لأن كلمة عبده تعني محمداً. ثم يقول (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) النجم) ويقول أيضاً في أوائل سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) البقرة). إذن فإضافة العبودية لسيدنا محمد شرف وبناء على ذلك كان على المؤمن أن يستشعر سعادته بأن يكون عبداً لله فيكون شعاره دائماً (سمعنا وأطعنا). ولذلك نجد القرآن الكريم يأتي بعد سورة الفاتحة مباشرة بسورة البقرة، لماذا سورة البقرة؟ ولماذا سميت بالبقرة؟ سميت لتنبيه المؤمنين أن بني إسرائيل كانوا يتلكأون ويتباطأون في تنفيذ أوامر الله وكانت قصة البقرة دليلاً على ذلك قال لهم سيدنا موسى (نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) البقرة) سيدنا موسى يبلغهم أمر ربه ومعنى ذلك أنهم ما داموا عبيداً لله أن ينفذوا أمره ولكنهم قالوا (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) البقرة) قالوا ادعوا لنا ربك يبين لنا ما هي، ثم قالوا ادعوا لنا ربك يبين لنا ما لونها، ثم قالوا ادعوا لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وفي النهاية يقول (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) البقرة) هذه الخصلة في بني إسرائيل لا يريد الله عز وجل من الأمة المحمدية أن تتشابه معهم لأن ديدنهم كانوا يقولون "سمعنا وعصينا" و"اسمع غير مسمع" ولذلك يأتي في آخر سورة البقرة (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة). ويضع القرآن الكريم أمامنا نموذجين: نموذج المنافقين الذين قبل أن ينفذّوا أمر الله يبحثون عن منافعهم الشخصية من وراء هذا الأمر فإن كانوا سيربحون شيئاً من تنفيذ الإسلام أقبلوا عليه ورضوا به أما إذا كان هناك تكليف ومشقة فإنهم يهربون منه، يقول سبحانه وتعالى عنهم (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) النور) جعلنا الله وإياكم من هؤلاء المفلحين ووفقنا لتنفيذ أوامر رب العالمين إنه ولي ذلك والقادر عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل